الطبراني
184
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وأصحابه ؛ فقالوا : أصابنا هذا البلاء من شؤم هؤلاء . والطّيرة في اللغة : الشّأمة كما روي [ أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان يحبّ الفأل ويكره الطّيرة ] . « 1 » والأصل في هذا : أن العرب كانوا يتفاءلون بالطّير ؛ فإن جاءهم طائر من جهة اليمين وهو السّانح ؛ « 2 » تبرّكوا به ، وإن جاءهم من جهة الشّمال وهو البارح يتشاءموا به ، ثم كثر قولهم في الطير حتى استعملوه في كلّ ما تشاءموا به . ومعنى الآية : ( يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ ) أي تشاءموا بهم وقالوا : ما أصابنا بلاء حتى رأيناكم . وقرأ طلحة ( تطيّروا ) بالتاء وتخفيف الطّاء على الفعل الماضي ، قال سعيد بن جبير : ( كان ملك فرعون أربعمائة سنة ، فعاش ثلاثمائة سنة لا يرى مكروها ، ولو رأى في تلك المدّة جوع يوم ، أو حمّى يوم ، أو وجع ساعة لما ادّعى الرّبوبيّة ) . قوله تعالى : أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ؛ معناه : الذي أصابهم من الخصب والجدب والخير والشرّ كلّ ذلك من عند اللّه ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 131 ) ؛ أنه أصابهم من عند اللّه . وقال ابن عبّاس : ( معناه : ألا إنّما مصابهم عند اللّه ) . وقال ابن جريج : ( الأمر كلّه من قبل اللّه ) . وقيل : معناه : ألا إنّما الشؤم الذي يلحقكم هو الذي وعدوا به في الآخرة لا ما نالهم من الدّنيا ، فإن القحط الذي هم فيه قليل في جنب عقوبة الآخرة . وقرأ الحسن : ( ألا إنّما طيرهم عند اللّه ) بغير الألف ، والمعنى واحد . قوله تعالى : وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها ؛ قال الخليل : ( أصل ( مهما ) : مأما ، أبدلت الألف الأولى هاء لتخفيف اللّفظ ) . وقال بعضهم : معنى ( مه ) : أكفف ، ثم قال : ( مَهْما تَأْتِنا بِهِ ) بمعنى الشرط ؛ أي ما تأتنا به من علامة يا موسى ( لِتَسْحَرَنا بِها ) أي لتوهمنا أنّها الحقّ ، فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ( 132 ) أي بمصدّقين بالرسالة .
--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند : ج 2 ص 332 عن أبي هريرة رضي اللّه عنه . ( 2 ) في المخطوط : ( الصائح ) .